14/12/2011

العلامة حسن بن عبدالله بن عبدالرحمن الكاف

 

الحمدلله رب العالمين ، على ما بيَّن من الحقِّ وشَرَعَ من العدل ، وأسَّس من الدِّين، إختار من أصفيائه محمَّد بن عبدالله ، فجعله خاتَم النبيِّين وآخر المرسلين ، وشفيع الخلق أجمعين ، وأكملَ به الدِّين ، والشرعَ للمسلمين ، الأوَّلين والآخرين ، وبيَّن به السبيل للمهتدين ، ونصَب به للعدل والقسطاس الموازين ، ونَشَرَ به في العالم نور الحقّ للمبصرين ، وجعله حُجَّةً قاطعةً على المعرضين ، وأيَّدهُ بكتابه المبين وبنصره على الجاحدين والمغرضين، وبالبرهان القاطع لألسنة المعاندين ، وأوضح به الصراط المستقيم للسالكين ، وجعل من أمَّته نجوماً من العلماء العاملين ، واختار منها من أراد به الخير من المتفقِّهين ، وأكرمه في أهل بيته بأن جعلهم قرناء كتابه ونِعْمَ القرين ، وحثَّ على الإستمساك بهما من سبقت له السَّعادة من المستمسكين المعتصمين ، اللهم فصلِّ على محمَّد وآله وصحبه أفضل صلاة للمصلين ، وسلَّم عليه وعليهم أزكى سلام المسلِّمين ، حتى ترث الأرض ومن عليها وأنت خير الوارثين.
 
أمَّا بعد... فقد قدم إليَّ الفاضل المحصِّل الأريب ، والأريحي المثقَّف الأديب ، عمر (حدَّاد) إبن أخينا فقيد العترة ، وعظيم الشهره ، ذي الفضل والعلم والذكآء والحذق والفهم، والألمعيَّة الفائقه ، والقريحة الوقَّـــاده ، مَنْ اعتاد الخير والبِر ونعم العاده ، ومن استفاد من أهل العلم فأحسن الإستفاده ، واستمر وازداد على ممرِّ الأيَّام زيادة بعد زياده ، حتى وَفِدَ على مولاه ونِعم الوفاده ، فاز فيها إن شاء الله بالحسنى وزياده ، الحسن بن عبدالله بن عبدالرحمن الكاف العلوي الحسيني ، رحمه الله تعالى رحمة الأبرار ، وألحقه بأسلافه الأخيار، قَدَّم إليَّ عمر (حدَّاد) المذكور مسودَّة كتب أصلها الشيخ الفاضل محمد بن عوض بافضل ثمَّ ألحق هُوَ بها في ترجمة والده جعلها كالمقدمة لرحلته إلى مصر والشام والحرمين مع مجموعة من شعر والده الحكمي والحميني ، لألحق بها بعض ما لدي ممَّا تتم به الترجمه ، عسى أن يكون فيه ذكرى وعبرة وأسوه ، وحفظاً لفوائد لعلَّها لا تُدْرَكُ بعد اليوم، والله الموفِّق والملهم والمعين.
نسبه العلوي العام :
قد ذكرت في (عقود الألماس) في مناقب شيخنا الإمام العارف بالله أحمد بن الحسن العطَّاس ، زيادات على ما ذكره النسَّابون من سلفنا تُعقد على مثلها الخناصر ، ولكني أذكر هنا لطائف فاتني ذكرها هناك ، فأقول:
أن الجدّ الأعلى لهذا الفرع العلوي الحسيني الذي كثَّر الله أعداده، ووفَّر إمداده ، وهاجرت منه الجموع الغفيرة إلى الهند وجزائر الشرق الأقصى في القديم والحديث ، ونشروا هناك دين الإسلام ، ممَّا ذكرت خلاصة منه في كتابي تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى.
هوَ الإمام المهاجر إلى الله : أحمد بن عيسى بن محمد النقيب بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- إبن عمِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخَتَنُه على ابنته فاطمة الزهراء البتول أمّ الذريَّة الطاهرة النبويَّه وأخيه ذي المنزلة العظيمة منه كمنزلة هارون من موسى - صلوات الله عليهم وعلى آلهم أجمعين -
هاجر الإمام أحمد بن عيسى من البصرة في الزمن الذي هاجت فيه الحروب أيام صولة القرامطة إلى حضرموت عن طريق اليمن ، ونزل بين قبيلة الصدف بالهجرين ومكث بها مدَّه ، ثم انتقل إلى الـحُسَيِّسَة قرية كانت بالقرب من بور بقيت لها آثار ، ثم نقلت ذريَّته إلى سُمل ، فبيت جُبير ، فتريم. وقد ذكر الحبيب الإمام أحمد بن زين الحبشي في المسلك السَّوي نحو عشرة مواضع صححَّها الحبيب إمام الدعوة والإرشاد/عبدالله بن علوي الحدَّاد العلوي ، ومنها أنَّ الإمام أحمد المهاجر دخل إلى تريم من أوَّلِ ما جاء إلى حضرموت ، وقد ذكر هذا مؤلِّف - الجوهر الشفَّاف في مناقب السادة الأشـــراف - وهو الشيخ العلم الشهير/عبدالرحمن بن محمد الخطيب ، وقد حافظ أهل الهجرين على دار الإمام أحمد بن عيسى المهاجر إلى اليوم ، أي منذ أكثر من ألف سنة ، وبلغنــــا أن بعض أهل الخير منهم قام في تجديدها ، وممَّا ينبغي ذكره بهذه المناسبة ، ما أخبرني به السيد الفاضل المطَّلع/ محمد بن علي بن عمر الحييد من آل الشيخ أبي بكر بن سالم ، وهو معروف شهير ، قال : لمَّا ذهبت أنا والأخ العلامة/محمد بن عقيل بن يحيى إلى العراق ونزلنا البصرة ، ذهبنا معاً لزيارة نقيب الأشراف لذلك العهد، وهو السيد صالح رجب ، وكان ذا مظهر وكلمة مسموعة ، وعليه كان اعتماد الدولة العثمانية في تسوية الأمور وملاقـاة الحوادث فلمَّا استقرَّينا المجلس سألنا عن سفرنا ورحلتنا ، فقلنا له : لقد جئنا من سنقافوره وأصلُنا من حضرموت ، قال : أنتم أشراف؟ قلنا: نعم ، قال: إذن أنتم من ذريَّة أحمد بن عيسى؟ قلنا : نعم ، قال : أذكر لي سلسلة نسبك ، قال : فسردتها عليه، فقال لنا : إنَّ لأحمد بن عيسى داراً في الناحية الشمالية من نهري دجله والفرات بين بساتين النخلة المملوكة لآل عبدالله حسن ، فاذهبوا فزوروها. قال : فركبنا سفينة تجارية نهريه مسافة بعيده حتى وصلنا إلى تلك البساتين ، وسألنا عن الدار ، فدَّلنا عليها الساكنون بتلك الناحية ، فدخلنا إليها ومكثنا بها مُدَّه ، وتلونا هناك ما تيسَّر من القرآن ثم عُدنا.
أقول وقد اجتمعت أنا بأخيه حامد رجب جاء يزورني إلى مسكني بجوهر بهارو، وحادثته في هذه الواقعة
وممَّا يستوقف النظر ما ذكره الشيخ العارف بالله/سعيد بن سالم الشوَّاف ، تلميذ الإمام القطب/عبدالرحمن بن محمد السقَّاف، حين ذكر بني علوي فأعاد فيهم المدح وابدأ في منظومته المسماة - شوارق الأنوار في الأنبياء والأولياء الأخيار- من عرب وعجم ، فإنَّه ذكر الإمام/علوي بن عبيدالله فقال:
والشيخ علوي الأوَّل                    هو ذاك ذي قد دوَّل          الأرض منها زوَّل
من كان جاهل بالله فكلامه يدل على أن الإمام علوي دوّل أرض حضرموت ، أي جعل فيها أمَراء ونفى عنها من نفى من أهل الجهل والفتن
والشيخ سعيد الشوَّاف ، من أهل الإطلاع التَّام ، يدلُّ على ذلك ما ذكره في أسماء أولياء الله التي لا تكاد تجد أسماؤهم في غير منظومته ، وناهيك بتلميذ السقَّاف الكبير ، وقد رأينا في الجوهر الشفَّاف للشيخ/عبدالرحمن الخطيب كلاماً عن الإمام السقَّاف دلَّنا على أنَّ لديه من الإطلاع على تراجم سلفه ما أغفله الأكثر ، فلا عجب إذاً إذا أخذ عنه الشوَّاف ما ذكره عن الإمام/علوي بن عبيدالله ، وممَّا ينبغي ملاحظته ذلك الإتِّصال الذي كان بين بني بلخ ملوك ظفار وبينهم وهم قبيلة حضرميَّه كان لها شأنٌ في ذلك العهد ، وبقيت لها بقيَّه في بعض القرى فيغلب على الظنّ أنَّهم كانوا من أعوانهم كالصدف وبعض تجيب والسكون وبني الأشرس ممَّن جاورهم وجاوروه.
سلسلة نسبه : 
أمَّا سلسلة نسب المترجم فهو: الحسن بن عبدالله (المتوفى سنة 1297هـ) بن عبدالرحمن (المتوفى سنة 1280هـ) إبن الشريف الفاضل الناسك أحمد بن محمد بن علوي بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد (المتوفى سنة 1022هـ) بن محمد بن أحمد الكاف (المتوفى سنة 830هـ ذُكِر في الجوهر الشفَّاف) بن محمد (وترجمه في الجوهر والمشرع) بن أحمد (الشهيد سنة 707هـ) بن الإمام الأعظم الفقيه المقدَّم أبي علوي محمد بن علي بن محمد صاحب مرباط بن علي خالع قسم بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيدالله بن الإمام أحمد المهاجر إلى الله بن عيسى بن محمد النقيب بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين سبط رسول الله وأحد ريحانيته وأحد سيدي شباب أهل الجنة بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأم الحسين وأخويه الحسن ومحسن وأختيه أم كلثوم وزينب فاطمة الزهراء البتول سيدة نساء أهل الجنة وسيدة نساء المؤمنين والبضعة الطاهرة بنت محمد رسول الله سيد الخلق أجمعين وخاتم النبيين والشافع المقبول يوم الدين للأولين والآخرين صلوات الله عليه وعلى ذريته وأهل بيته وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين وآله وصحبه أجمعين.
ميلاده وبدء أمره ونشأته : 
وُلِدَ رضي الله عنه بتريم في سنة 1292هـ في أحضان الشرف والسيادة ، ولاحت عليه من صغره مخايل النجابة وسمات شرف النفس ونشأ نشأة مباركة صالحه تـؤذن بمستقبل له حسن ، فكان مجبولاً على النزاهة والطهارة والترفُّع عن الدنايا ، وأكرمه الله بمحبة العلم والعلماء والتعرُّف إلى الصالحين ، ولمَّا ترعرع أخذ في التعلُّمِ فقرأ القرآن على معلِّميه وجوّده وبارك عليه الأكابر من أهل زمانه من العلويين وغيرهم ، وشغف بالعلم شغفاً شديداً ، فطرة فطر عليها وسائق إلهي وجَّهه إلى الجدِّ في الطلب والمزاحمة في دروسه بالرُّكَبِ والصُّحبة لطلبة العلم والميل إلى الجلوس معهم ، فاتخذهم رفقائه وندمائه.
مشائخه ومن لقيهم من أهل العلم والصلاح : 
أخذ المترجم عن كثير من أعيان وقته ، فانتفع في صباه وهو في سن السابعة من عمره بالسيد الإمام/الحسين بن عمر بن سهل مولى الدويله (المتوفي ليلة الأحد في 3 من شهر رمضان سنة 1303هـ بمسيلة آل شيخ) ، وكان هذا الحبيب نزيلاً في بيت آباء المترجم لتزوجه بإحدى بنات السيد/عبدالرحمن بن أحمد الكاف ، فكان المترجم يخدمه بنشاط وفرح ويُعِدُّ له طهوره إذا أراد الصلاة وهو مسن في آخر عمره ، وحظي منه بدعوات صالحه
وهو حسين بن عمر بن محمد بن علي بن سهل مولى الدويله ، ترجمه الحبيب شيخ المشائخ عبدالرحمن بن محمد المشهور العلوي فقال: كان ناسكاً كثير الإجتهاد والعبادة لا يفتر عن ذلك ، كثير الأوراد حسن الأخلاق حسن الظنِّ بكل الناس كريماً جواداً واعظاً له تعلُّق بالصلحاء ، ولد بتريم سنة 1218 هجريه ، وتوفي في التاريـــــــخ المتقدم عن نحو خمس وثمانين (85) سنه ، وكان والده عمر من العلماء العاملين والفقهاء الراسخين زاهداً عابداً متواضعاً ولياً صالحاً ، توفي بتريم في ربيع الأول سنة 1235 هجريه ، وكان جَدُّهُ محمد بن علي عالماً عاملاً زاهداً ورعاً متقشِّفاً ، توفي بتريم أيضا
ومنهم السيد العارف بالله الحبيب/أحمد بن محمد بن عبدالله بن محمد الكاف ، وكان عالماً عاملاً داعياً إلى الله بقولـه وفعله، متجرِّداً لنفع الناس وتعليم العوام لا يفتر عن ذلك، كثير الترغيب في عمل الخير ، سليم البال مقبولاً عند الناس ، وُلِدَ بتريــــم سنة 1260هـ وتوفي بها عشيَّة الخميس 24 شعبان سنة 1317هـ ، أخذ عنه المترجم ، واختصَّ بملازمته والقراءة عليه في المتون الفقهيَّة في مدرسة قبَّة الحبيب عبدالله بن شيخ العيدروس بسحيل تريم، وكان المترجم يروي كثيراً من أحواله وكراماته ، منها أنَّه قال : (كنَّا يوماً نقرأ على الحبيب أحمد الكاف في القبَّه ، فحضر أحد القرَّاء من أهل البلد وأراد الإبتداء في القراءة عليه ، فنهَرَهُ الحبيب أحمد وقال له : قم فتطهَّر ، فقام ، ثم إنِّي سألت ذلك الرجل عن الأمر فقال : كنت جنباً وبادرت إلى حضور الدرس لأكون أوَّل من يبتدأ بالقراءة وأخَّرتُ الغُسْل لذلك). ومنها : (إنََّّا في أيام الصِغَرْ عقدنا مع الرفقاء مجلساً وطبخنا عصيده ، وجلسنا في ظلِّ جدار ننتظرها مع بعض طلبة العلم ، فلم نشعر إلاَّ بمجيء الحبيب أحمد ، وقد كان يأتي إلينا في بعض الأحيان ، فجلس معنا ، واستطلنا مُدَّة جلوسه وأنفسنا تنازعنا إلى أكل العصيدة ، ولم نقدر أن نُطلِعُهُ على الأمر ، ولا أن نقدِّمها بحضرته حياءً منه فالتفت إلينا مُكاشفاً ، وقال : قوموا كلوا عصيدكم)
ومنها : (أنَّه طلب أربعين ريالاً قرضاً من عمِّي الحبيب/شيخ بن عبدالرحمن الكاف ، فأمرني أن أوصلها إليه ، فأخذتها من دراهم وَرَدت لعمِّي من جهة السلطان وهو لا يعلم ، فلمَّا ناولته إيَّاها ردَّها إليَّ وقال: هات لي ريالات غيرها، أمَّا هذه فلا أريدها، وكان ذلك كشفاً وفِراسة صادقة لما فيها من الشبهة)
وقد أقبل المترجم على شيخه المذكور إقبالاً كُليَّاً مع صدق ونية ، وحظي من شيخه بمزيد عناية ، وثابر هو على ملازمته وخدمته إلى أن توفي في التاريخ المتقدم ذكره
ومنهم إبنه العلاَّمه الفقيه/حسين بن أحمد ، وكان على طريقة والده مع دماثة أخلاق وحسن معاشره لازمه المترجم وأخذ عنه كما كان هو يستعين بالمترجم فيما يستعصي عليه من الأمور القضائية ، وكان وُلِّيَ القضاء بتريم ، توفي رحمه الله تعالى ليومين من شوال سنة 1333هـ
ومنهم العلاَّمه العابد الزاهد فقيه حضرموت ومفتيها النسابة الحبيب/عبدالرحمن بن محمد بن الحسين المشهور من آل المشهور فخذ من آل شهاب الدِّين أحمد (الكبير القدر العظيم الحال والشهره المتوفى سنة 946هـ بتريم) ، وهو ابن عبدالرحمن بن الشيخ علي بن أبي بكر بن القطب السقاف العلوي الحسيني ، كان الحبيب/عبدالرحمن المشهور المذكور وحيداً في الإجتهاد في تحصيل العلم ونشره مع العبادة والتقشُّف والزهد والمحافظة على الصلوات في أوائل أوقاتها وقيام الليل وإقامة الدروس وإفادة الطلبة ، وقد جمع الفتاوى التي تكرَّر طبعها وانتشرت في البلاد العربية والشرق الأقصى وصارت معتمد المفتين ، كما حرَّر ولخَّص الشجرة العلوية التي رحل السيد العلاَّمه المتفنِّن/علي بن شيخ بن شهاب الدِّين في جمعها وتحريرها ، وكان أكثر أخذه عن شيخه العلاَّمه/أحمد بن علي الجنيد العلوي الحسيني ، كما أخذ عن غيره ، وقد أفردت ترجمته بالتصنيف ، وأخذ عنه وتبرَّك به واستجازه أكثر أهل عصره ، وكان له مَلَكة في علم المواقيت وغيرها، وُلِدَ سنة 1250هـ ، وتوفي ليلة السبت 16 صفر سنة 1320هـ ، وأفردت ترجمته بالتصنيف ، وقد لازمه المترجم ملازمة المُريد ، وأخذ عنه قراءة عليه وسماعاً
ومنهم الحبيب العلاَّمه الكامل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر/أبوبكر بن عبدالله بن علي الخرد العلوي الحسيني، وُلِدَ سنة 1236هـ ، وتوفي سنة 1312هـ ، أخذ عنه المترجم وقرأ عليه ولازم حضور درسه في زاوية الشيخ/سالم بن فضل بافضـل المتوفي سنة 581هـ، وكان المترجم يبادر إلى التفرُّد بإعداد القهوة للدرس ، ويستصحب معه جانباً من السكر يخفيه ليزيده فوق ما يأتي به أستاذه المذكور من السكر ، فكان الحبيب أبوبكر يقول : من العجب أنَّ المخصَّص للقهوة من السكر قليل ، ولكن حلاوتها فائقة ، ومكث مُدَّه متعجِّباً للأمر الغريب ، ثم تفطَّن فقال : من الذي يُعِدُّ القهوة؟ قالوا حسن الكاف ، فقال له: يا ولدي من عندك زادت الحلاوة ، ودعى له
ومنهم جامع العِلمين وشيخ الطريقين ، بقية السلف وفخر الخلف ، العارف بالله الحبيب/أحمد بن الحسن بن عبدالله بن علي العطَّاس نفع الله به ، وُلِدَ بحريضه في 17 رمضان اليوم الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيِّنات من الهدى والفرقان من سنة 1257هـ وتوفي يوم الإثنين و6 من شهر رجب سنة 1334هـ ، لقيه وأخذ عنه في ترداده إلى تريم وزياراته لها ، ورحل إليه إلى حريضه مراراً وعند سفره إلى الحرمين ، واستجازه فأجازه بإجازة مثبته في رحلة المترجم المدونة المجموعة مع هذا المجموع بقلم صديقه الشيخ العلاَّمه/محمَّد بن عوض بافضل ، أحد نُجباء تلاميذ الحبيب أحمد ومحرِّر رحلته وكلامه ، وطلب المترجم من الحبيب أحمد أن يأذن للشيخ محمد بافضل بصحبته إلى الحرمين ، فأجابه إلى ذلك وأمره بالسفر معه ، قال الشيخ محمد أنَّه قال للمترجم : لو كان غيرك ياحسن الكاف لن أسمح له ، وكان الحبيب أحمد يحب المترجم ويودُّه
ومنهم خضم المعارف الزاخر بدُرَرِ اللطائف الحبيب العارف بالله/علي بن محمد بن حسين الحبشي ، ذو الفضل والكرم الواسع والجاه والصيت الشاسع ، وُلِدَ في شهر شوال سنة 1259هـ بقَسَم ، وتوفي بسيؤن يوم الأحد في 20 ربيع الثاني سنة 1333هـ ، أخذ عنه المترجم وتردَّد إليه مراراً ، وكان يحضر مجالسه إذا جاء إلى تريم ولـه منه وصيَّه ومكاتبه خاصة ستأتي مع هذا المجموع ، ولـه منه إجازة عامَّه مع بني عمِّه وإخوانه ، ووصيَّة مطوَّله ذات ألفاظ بليغة عالية ، ومعانٍ نفيسة غالية ، تجمعها مع هذا المجموع
ومنهم الحبيب/حسين بن محمد بن حسين الحبشي أخو المتقدِّم ذكره العلاَّمه الكبير الفقيه المحدِّث المُسنِد ، وُلِدَ بسيؤن سنة 1257هـ ، وتوفي يوم الخميس 21 من شوال سنة 1330هـ بمكة المكرمة
ومنهم العلاَّمه الفقيه الورع الشيخ/محِمَّد بن أحمد الخطيب التريمي المتوفي سنـة 1350هـ ، وهذا هو شيخ البداية والتخريج ، بل لم يزل المترجم متصِّلاً به متخصِّصاً به ، وكان الحبيب الجد ذو الأخلاق والمحاسن والمبرَّات/شيخ بن عبدالرحمن بن أحمد الكاف عمِّ المترجم مع أخي المترجم حسين وعبدالرحمن ، قد اهتمُّوا جميعاً ورغبوا في تثقيف المترجم وبقية أولادهم بتخصيص مدرِّس لهم ينقطع إليهم وينقطعون إليه ، وقد استشاروا من يوثق بهم في أمر الاختيار فاختاروا الشيخ/محِمَّد بن أحمد المذكور ، واتفقوا على أن يكون موضع الدرس بزاويه في مسجد سرجيس ، فاستمرَّ التدريس بها في الصباح وبعد الظهر في الفقه والنحو وغير ذلك مطالعة وإعادة بين العِشائين في الفقه غالباً وفي النحو أحياناً في الزاوية المذكورة ثم في زاوية مسجد بروم ، وخُصِّصت ليلة الجمعة لتلاوة ما يذكر بالخصائص النبويَّه فتُقرأ البردة أو الهمزيَّه وغير ذلك ، وتمزج تلك المجالس بالمذاكرة في فنون شتَّى ممَّا يفتح للأفكار مجاري الفهم ، والإطِّلاع على طرائف العلم ، وكان يحضر هذه المجالس بعض طلبة العلم من أهل تريم فيأخذون بأطراف الأحاديث في القديم والحديث. وقد لازم المترجم شيخه المذكور حتى أفاد وازداد بما فاق به الأقران والأنداد. وكان للمترجم إتِّصال وثيق بالسيد العلاَّمه ناشر العلم في الأقطار ، وعامر الدروس بالليل والنهار، الذي فتح الله به أعيُّناً عُمياً وآذاناً صُمَّا ، ونشر الله به هدى وعلما، أخينا في الله/عبدالله بن عمر بن أحمد الشاطري العلوي الحسيني ، كان رحمه الله تعالى قد أنفد وقته في تعليم طلبة العلم الواردين إلى رباط تريم من بلاد اليمن وغيرها من البلدان الحضرمية ، وحصُلَ به نفع كبير ، ولم يخلف بعده مثله في هذا الشأن ، أحسِب أنَّه وُلِدَ في رمضان سنة 1290هـ وتوفي سنة 1360هـ بتريم ، وقد اتهم به بعض الأجانب دسَّ له سُمَّاً أبان مرضه كالسيد الصُّوفي/أحمد الهدَّار بالمكلاَّ والله للظالمين بالمرصاد ، قال السيد العلاَّمه النقاد/محمد بن عقيل بن عبدالله بن عمر بن يحيى العلوي الحسيني قد انتفع بالأخ/عبدالله بن عمر الشاطري ، أكثر ممَّن انتفع بفلان وفلان ، وذكر بعض الأكابر السابقين، ثم قال : نزلت مرَّه بمرسى عدن المُسمَّى بالتواهي ، وبينما نحن سائرون في عربة إلى عدن سمعت جماعة من العمَّال راكبين في عربة من عربات الحمل يتجادلون في مسألة دقيقة من مسائل التيمم وإذا بأحدهم يقول : إن الذي سمعته في هذه المسألة من شيخي الحبيب/عبدالله بن عمر الشاطري كذا وكذا ، فوقفنا نستمع لتلاميذ من شرقي اليمن يتناظرون في دقائق الفقه بفضل عبدالله بن عمر أو كما قال :
كان المترجم وثيق الصلة بالحبيب/عبدالله بن عمر مساعداً له فيما تجرَّد له من الدرس والتعليم والاعتناء بطلبة العلم ، فكان يأخذهم جمَّاً غفيراً في بعض الأيام إلى بعض البساتين في رياض تريم ، فتأتي لهم فُرَصٌ يرتاحون فيها من مهام الدرس ، وكان المترجم يقوم بنفقات ذلك مقدِّماً لهم الموائد والعوائد ، ولم تزل المجالس تُعقَد بالعشايا (الروحات) بحضور المترجم والسيد عبدالله للمذاكرة تتخللها النشائد والمحادثات العلمية والمفاكهات الأدبية ، فكانت من أطيب الأوقات.
وقد أخذ المترجم من عدد من علماء حضرموت غير من تقدَّم واستفاد منهم وحضر مجالسهم ، كما لقي جماعة في حجَّته دَوَّن أسماءهم في رحلته ، منهم : الشيخ/يوسف النبهاني ، والسيد/أحمد حسيني العلاَّمه الفقيه المصري ، ومن أهل تريم الحبيب/محمد بن سالم السّري ، والحبيب/عبدالله بن علي بن شهاب ، والحبيب/علي بن عبدالرحمن المشهور ، والحبيب/عبدالله بن علوي الحبشي ساكن ثبي ، والحبيب/علوي بن عبدالرحمن بن أبي بكر المشهور ، والشيخ/أحمد بن عبدالله الخطيب وابنه شيخنا أبوبكر، ومنهم الحبيب/عبدالله بن عيدروس ، والحبيب/عمر بن حامد السقاف والحبيب/أحمد بن عبدالرحمن السقاف .
وممَّن أدركهم من الأكابر الحبيب/محمد بن ابراهيم بن عيدروس بن عبدالرحمن بن عبدالله بلفقيه المُسْنِد إبن المسندين الإمام العالم العامل الناسك ، أخذ عن أشياخ كثير وله ترجمه عظيمة لا نطيل بها، وُلِدَ بتريم سنة 1214هـ وتوفي بها سنة 1307هـ ، فأدرك المترجم من عمره نحو خمسة عشر سنــه
ومنهم الحبيب/عمر بن حسن بن عبدالله بن أحمد بن الحسن بن الإمام عبدالله بن علوي الحداد ، الإمام العلاَّمه الزاهد الناسك الناشر للعلم والدَّاعي إلى الله ، له أشياخ كثيرون وسند عال وترجمة طويلة ، وُلِدَ بتريم سنة 1235هـ ، وتوفي يوم الأربعاء سلخ ذي الحجة سنة 1308هـ. فأدرك المترجم من حياته ستة عشر سنة وقد سَمَّى المترجم ولده مُحرِّر أصل هذه الترجمة "عمر حداد" إحياءً لذكرى ذلك الإمام وتبُّركاً بحضرة إبن إبنه المنصب علي بن حسن بن عمر الحداد
ومنهم شيخنا وشيخ الشيوخ الحبيب/عيدروس بن عمر بن عيدروس بن عبدالرحمن بن الإمام عيسى بن محمد بن الإمام أحمد الحبشي صاحب الشِعب العلاَّمه الفقيه الصُّوفي الوَرِع الزاهد العابد المسند ذي المقامات والأحوال ، وُلِدَ ببلد الغرفه سنة 1237هـ وتوفي ليلة الإثنين في التاسع من رجب سنة 1314هـ ، وقد أدرك المترجم من عمره 22 سنة ، وكان الحبيب/عيدروس كثير التردُّد إلى زيارة تريم أو زيارة نبي الله هود - عليه السلام - ، وأخذ عنه الإجازة والإلباس وحضر مجالسه (فقد كان الناس حريصين عن الأخذ عنه) ، ولقد مَنَّ الله علي وأنا في سنِّ الحادية عشر من السنين بالاجتماع به بحوطة الحبيب/أحمد بن زين الحبشي ، وحضرت مجلسه بدار الحبيب/عبدالله بن محمد بن أحمد الحبشي وحظيت بالإلباس والإجازة منه ومن الحبيب/عبدالله بن محمد المذكور وهو خال والدي مع جمع من السَّادة آل الحبشي ، فبعد أن لبس منهم كبار الحاضرين دعوا صغار المجلس ، وكنت حاضراً فتحصَّلنا على الإلباس ثم الإجازة والحمدلله ، أمَّا أخي عبدالله بن طاهر فكان يتردَّدُ إلى الغرفة وقرأ عليه ولبس منه واستجاز
وقد زار المترجم دوعن المرَّة الأخيرة هوَ وأخوه المرحوم/عبدالرحمن مع بعض أبنائهم ، ومكثا لدينا بقيدون ثلاثة أو أربعة أيام ، وزارا عمَّنا الحبيب/صالح بن عبدالله الحداد ، وكانا يحضران الدَّرس عنده كل يوم مدَّة مقامهما ولا محل للإطالة بما كان في تلك الزيارة فقد صحبتهما إلى أعلا دوعن ذهاباً ومع العودة ، ولمَّا حضر البشير بوصولهم أسرعتُ إلى الوالد/صالح - رحمه الله - وأخبرته بأنَّهم قادمون، وأنَّ مقامهم سيكون ببيتنا، ولكن يحسن أن يجتمعوا بك أوَّل وصولهم ويكون عشاءهم عندك ، فقال لي : ياولدي هؤلاء آل الكاف أهل دنيا وأنت تعلم حالي أني اتكثف من الجلوس مع أهل الدنيا ، فقلت له: كلاَّ ! إنَّما هم طلبة علم ووصفتهم ، فقال : إذا كان الأمر كذلك فامض لقضاء ما يلزم ، وبعد ذلك إغتبط بهم وتبرَّك أبنائهم بالقراءة عليه مع ملاحظة الإعراب ، وكان المترجم وأخوه يشاركون في الحديث عمَّا يُقرأ في الدرس، فقال لي : صدقت ! إنَّما هم طلبة علم ، وأمرني بمرافقتهم في زيارتهم لأعلى دوعن ، وكانوا قد التمسوا ذلك منِّي فاعتذرت إليهم بقرب وصولي من السفر، وكان الوالد/صالح من أهل العلم والعبادة والنُسُك ومداومة الذِّكر والإقبال على الله ، وله في آخر عمره إتِّصالٌ بالحبيب/أحمد بن حسن العطَّاس ، كما يكون بين الصُّوفيَّة في الإستخلاف والوراثة ، ولذلك واقِعَه ليس هذا محلّ ذكرها.
وبقي غير من ذكرنا كثيرون نكاد نقطع أن المترجم لقيهم وتبرَّك بالأخذ عنهم والإجازة ، ولا سيما أنَّه كان معتنياً بهذا الأمر ، بل كان - رحمه الله تعالى - إذا جئنا لزيارة تريم كثيراً ما يرافقنا لزيارة الأفاضل بها ، وفي الإجتماعات العامَّة التي كان يجتمع بها أفاضل العصر غالباً كأيام المولد النبوي الذي كان يقيمه الحبيب/علي بن محمد الحبشي بسيؤن ، وزيارة نبي الله هود - عليه السلام - ، وقلَّ من يحضر ذلك ولا يزور تريم، ونذكر أسماء من حضرنا ذكرهم على سبيل المثال مع حذف النعوت وهم السَّادات : محمد بن طاهر الحداد وعبدالله بن حسن البحر وعبدالله بن عمر بن سميط وحسن بن أحمد العيدروس وعمر بن حامد السقاف وأخوه محمد بن حامد وعلوي بن عبدالرحمن السقاف وزين بن أحمد وعبدالرحمن بن محمد الخرد من سُكَّان دوعن والمعمَّر عيدروس بن حسين العيدروس المتوفي بحيدرأباد وعبدالله وعبيدالله إبني محسن بن علوي السقاف وعبدالقادر بن أحمد بن قطبان السقاف وعبدالله بن محمد بن أحمد الحبشي .
بقيةٌ من أحوال المترجم : 
مع أن المترجم قد أدرك من التحصيل ما يُخَوِّلُ له التصدُّر للتدريس ، ولكنه كان يكلُ ذلك إلى غيره تواضعاً ، وكان له ميل إلى علم الأدب ، وعُرِضَ عليه منصب القضاء فأباه ولكنه كان لا يبخلُ بمساعدته للقائمين به ، وكان هوَ همزة الوصل للإتصال بالعلماء والفضلاء عن عشيرته آل الكاف ، وكان محافظاً على السيرة المحمودة والأوامر الشرعيَّة وصلوات الجماعة وحضور الدروس والمساعدة على إقامتها وجمع طلبة العلم لها مع تفقُّده أحوال أهل الفضل ومواصلتهم ، ولا سيَّما الغرباء منهم ، وكان يقيم لهم الدعوات والمآدب فضلاً عن اعتنائه بإصلاح ذات البين وما يتعلَّقُ بشؤون البلد ، قال : كنت أتحاشى عن الدخول في الأمور السياسية البلدية خوفاً من سوء عواقبها حتى أمرني الوالد/عبدالله بن عيدروس العيدروس بالقيام فيها والإهتمام بها وألَّح علي في ذلك ووعدني بالمساعدة بالدُّعاء والعناية. وقد كُفِيَتْ بسعيه شرورٌ كثيرةٌ خاصَّة وعامَّه ، ولـه أثر بيِّن في إطفاء الفتن التي قامت بين عسكر تريم وبعض جيرانهم من القبائل ، وكان لهم إتصال بالسَّادات آل العيدروس وهي واقعة مشهوره طال أمرها وكادت أن تفضي إلى ما لا تُحمَد عقباه ، وكنت إذ ذاك بجاوه ، فتواصلت اليَّ مكاتبات السيد العلاَّمه/محمد بن عقيل بن يحيى من سنقافوره أن أكاتب السيد الهمَّام/عبدالرحمن بن شيخ الكاف في إطفاء الفتنة والإتصال بالسَّادة/عبدالله بن حسين العيدروس وعبدالله بن علي العيدروس في ذلك ، ففعلتُ ووَّفق الله لإصلاح الأمر واستقدمنا الأخ/عبدالرحمن الكاف إلى جاوه وتمَّ الإجتماع بينه وبين السَّادة آل العيدروس وأصلح الله ذات البين ، وأرسل مرسوم الصلح إلى تريم وتمَّ ذلك وقيلت في ذلك أشعار ، وقد كان المترجم غيوراً حيث بذل المال مراراً متعدِّده لقطع ألسنة بعض المغرضين المحرِّضين على إشعال الفتنة ، وسلَّم الله
عمله : 
كان رضي الله عنه سالكاً الطريقة المثلى على نهج السلف الصالح في أعماله وأفعاله من حفظ الأوقات والسيرة السويَّه ، والمحافظة على الأوامر الشرعيَّه ، والجماعات والأوراد والصَّلوات ، ولـه في نفع العباد وهداية الحاير وإصلاح ذات البين وإصلاح الشؤون البلديَّه الهم الكبير لتعينها عليه لمكانه من الثراء والجاه العظيم والأسلوب الحسن، وإذا حصلت مشكلة إنجلت بواسطته
صدقاته ونفقاته : 
كان كريماً جواداً مُتَفقِّداً لأحوال الضعفاء والمساكين ، معتنياً بطلبة العلم وأهل الفضل وأهل المروءة والتجمُّل ، فكان يسيِّر النفقة إلى بيوتهم ، بل قد يذهب بها بنفسه وله في ذلك وقائع منها:
جئتُ مرَّة لزيارة تريم أنا وأخونا العلَم الشهير الحبيب/حامد بن علوي البار العلوي الحسيني وذهبنا مع المترجم لزيارة بعض المشهورين بالعلم والنسك والصلاح ، وكان قد أضر "كُفَّ بصره" فسلَّمنا عليه وجلسنا عنده نحادثه ولم يشعر أنَّ المترجم معنا فكان ممَّا كلَّمنا به ذلك المزور الصالح أن عليه دَيناً مقداره أربعمائة (400) ريال ، وقد أهمَّهُ أمره والتمس منَّا أن نسعى في قضائه وقال : كلِّموا حسن بن عبدالله في ذلك ، فأسرَّ إلينا المترجم أنَّه قضى ديناً على المزور في مدة غير بعيدة ، وذكر مقداره ولعلَّه ثمانمائة (800) ريال ، قال : ولكن عليكم في هذه المرَّة بأخي علوي كلِّموه في حاجته ، وكان ان اجتمعنا بعلوي - رحم الله الجميع - فسمع بالأمر من غير مراجعة ولا تردُّد
واجتمعنا مرَّة في محضرة الحبيب/شيخ بن عبدالرحمن الكاف مع ثلاثة نفر من كبار عائله السَّاده آل الكاف في مجلس أخوي، وكان من الحاضرين صاحب الترجمه ، فابتدأ أحدهم يطلب منَّا أن نأمرهم بالإقتصاد في النفقات والإبتعاد عن التبذير والإسراف، ودار الحديث بيننا في الموضوع ، فقال : اسألوهم عن مقادير ما أنفقه كل واحد منهم بعد وفاة الحبيب/شيخ ، وكان قد مضى لوفاته نحو سنتين ، فقال أحدهم : لقد بنيت بيتي وأثَّثته بنحو خمسين ألفاً وسكت عمَّا سوى ذلك، وقال ذلك الذي أمر بالإقتصاد : أمَّا أنا فلم أنفق إلاَّ عشرين ألفاً وهي من أرباح حصلتُ عليها من التجارة في البلد ، ومع ذلك فلم أنفقها كلها في نفقات مستهلكه ، بل قد اشتريت ببعضها عقاراً أو كما قال. وقال المترجم : لقد أنفقت بعد وفات عمِّي شيخ أربعين ألف ريال ، عشرون ألفاً منها في الصَّدقات والمبرَّات. فليعتبر بهذا أبناء الزمان وليراجعوا دفاتر حساباتهم فسيجدونها بعيدة كل البعد عن هذه المناقب والفضائل ، بل لعلَّهم يجدون أنَّهم لم يخرجوا زكاة أموالهم ، بل لعلَّهم يجدون نفقاتهم في سبيل الحرام أضعاف نفقاتهم في الأمور المباحة. فنسأل الله التوبة والهداية والتوفيق. وذكر المحرِّر وقائع من مساعدته منها : أنَّه كان ذا عناية بالشريفة/سيده بنت الإمام الحبيب/عبدالله بن حسين بن طاهر ذلك العلَم الشهير والقمر المنير ، وكانت قد طعنت في السن ولعلَّها بلغت المائة ، قال إبنه مُحرِّر أصل الترجمه : خرج والدي مرَّة وأنا معه إلى مسيلة آل شيخ للزيارة ودخل عندها ، وكان قد حمل معه حملاً فيه كلُّ ما تحتاج إليه من غذاء أو إدام وكِسَا ممَّا يكفيها شهوراً عديده ومن النقد من الريالات الفرانصه نحواً من مائة وخمسين (150) ريالاً ، قال الوالد/عبدالمولى بن عبدالقادر بن أحمد بن طاهر سألني الأخ/حسن عن الشريفة المذكوره قُربَ رمضان وقال لي : كيف يكون مدخل رمضان عليها فقلت له : إحذف النون (يعني رمضا) فقال لي: أحسب ما يكفيها لرمضان وشوَّال ، فحسبت أنا وهو كل ما تحتاج إليه ، فأحضر ذلك كله، ثم قال : وهذه الأيام أيام برد فأحضر لها غطاء تتدثَّر به مع مبلغ من النقد لتشتري به الحاجات اليومية ولنفقات بعيده ، ثم أحضر جملاً فحمَّلناه وخرجتُ به إليها ، فلمَّا وصلتُ القرية مع ذلك الحمل ووقفتُ تحت البيت ناديت أخرجي بالمفتاح ، ورأت الحمل فقالت : من أين هذا؟! قلتُ لها: هذا من مُحِب ، فقالت: لا يكون إلاَّ من حسن الكاف ، وذلك أنَّها لم تعهد من يتفقَّدُ أحوال المحتاجين أهل التجمُّل والصبر ، ولا يبلغ في العطآء بالنسبة لحال البلاد وأهلها إلاَّ هوَ. قال : فقلت لها نعم، فدعت له دعآء جمَّاً وسُرَّت بذلك كثيراً ، وأهدت إليه خفَّاً كان لوالدها الإمام الحبيب/عبدالله بن حسين ، ففرح المترجم بهذا الأثر المبارك عن ذلك الإمام العظيم ، ولمَّا ارتحل الشيخ بكران باجمَّال إلى تريم بعد وفاة شيخه الحبيب العارف بالله/علي بن محمد الحبشي وكان منشده وكاتبه وَجَدَ من المترجم أهلاً وسهلاً وأنزلـه في بيته ، ولمَّا أحسَّ رغبته في سُكنى تريم إستأجر له موضعاً وبنى فيه داراً لسكناه ، وأنفق عليه النفقة الكافية حتى توفي
وكان سيدي الوالد عمر بن عبدالله الحبشي ينزل عنده إذا جاء إلى تريم ويأتي المرَّات العديده ، ويجلس المدَّه المديده ، فيوليه من الإكرام والإعظام فوق ما يرام ، أخبرني أنَّه كثيراً ما يعرض عليه المترجم أن يبني له محلاًّ خاصَّاً بتريم ويسكنه إذا ورد إلى تريم لتطول مُدَّة إقامته بها
 
وأمَّا إعانته لطلبة العلم والعلماء وأكابر أهل العصر فأمرٌ لا يمكن تعديده ولا تحديده ، ومع ذلك فكان يقيم المآدب واسباب الفرح ، وقد يخرج معهم إلى بعض المنتزهات في الشعاب القريبة والأماكن الفسيحة ، ومنهم من ينفق عليه نفقة كافيه
ومن نفقاته العامة أنّه جدَّد عمارة مساجد متعددة منها جبَّانة تريم وزيادة زادها في جامع تريم في جانبه الجنوبي ومسجد بن عتيق ومسجد باجذيع وغيرها
شعره : 
للمترجم نوعان من الشعر أحدهما حكمي والآخر حُميني ، أمَّا الحكمي فهو المنحصرة قوافيه وأوزانه وهوَ الذي يتكلم عليه علم العروض والقوافي ، والحميني هوَ شعر باللغة الدارجه بحضرموت أوزانه غير منحصره ولقوافيه تقييدات تصعب على من لم يمارسه، فقد يكون للبيت الواحد أربعة أوزان أو ستة أو ثمانية ، وكذلك في القوافي ، وهوَ إنَّما يؤخذ إتِّباعاً لموسيقى الأصوات ، فالشعر تابع للأصوات لا أن الأصوات تابعة للشعر ، ويمتاز الحميني عن الحكمي بغموض كناياته لأنَّ قراينه حاليَّه لا لفظيَّه
وللمترجم كما ذكرنا من الشعر الحكمي قصايد فايقه رايقه ، منها  ما مدح به بعض مشائخه ومنها مقطوعات حكميَّه ، ولكنه قليل بالنسبة للشعر الحميني. أمَّا الشعر الحميني فهو ابن بجدته والحكيم المسلم له فيه بحيث لا يتمارى في رُقي شعره فيه إثنان ، وفيه الغزلي والهزلي والجدِّي وفيه ما هُوَ في ظاهره تغزُّل بالصُّور الظاهره وهو يقصد منه التغزُّل بالمعاني الباطنه
وقد مَدَح شعره الأكابر منهم الحبيب/مصطفى بن أحمد المحضار ، وقد عَتَبَ بعض المنشدين على عدم حفظه شيء من شعر المترجم ، ومنهم السيد/عبدالرحمن بن عبيدالله سَمِع مرَّه قصيدة للمترجم ولمَّا وصل المنشد إلى بيت من أبياتها وهوَ:
(كيل المحبه سـوا صاعاً بصاع      وان زدت زادوك في قوتك وماك)
 
إهتزَّ لذلك طرباً وعجبا واستعاد البيت وقال هذا البيت ملآن من المعاني
 
وها هُوَ الديوان معروض عليك أيُّها القارئ الكريم لتحكم فيه بما شئت ، ولم يعتن بجمع شعره من قبل ، فجُمِع في هذا الديوان ما وُجِدَ منه فما فات جُلّه لا يُتْرَك كُلُّه
ما قيل فيه من المدائح والمراثي :
مَدَح المترجم كثير من أدباء عصره ، ورثاه الكثيرون منهم بمدائح ومراثي طنَّانه ، منهم العلاَّمه السيد/عبدالرحمن بن عبيدالله ، ومنهم الأديب المعلق المحقق عقيل بن عثمان له فيه قصائد أغلى من قلائد العقيان ، ومنهم صديقه المترجم الأصل الشيخ العلاَّمه الأديب محمَّد بن عوض بافضل له فيه المدائح الرائعة المتعدِّده ، ولي أيضاً معه مكاتبات تتضمَّن ألفاظاً جزلة المعاني فائقة المباني ، وغيرهم كثيرون
بعضاً من نُكَـــتُه ولطائفه : 
قال مترجم الأصل الشيخ محمد بن عوض بافضل ، أنَّه قال لسيدي أحمد بن حسن العطاس وأنا حاضر عنده وبيني وبينه من المودّه والمحبّه ما لا يخفى ، أرجو منكم أن تعقدوا الأخوَّه بيني وبين الشيخ محمد ، فقال سيدي أحمد: الأخوّه معقوده بينكما في الباطن، ولكن مرادنا عقدها في الظاهر (يعني في المال) ، فقال سيدي حسن الشيخ محمد زاهد ما يحب الدنيا ولا نريد أن نشغله بها ، فقال: ما أذكاك ياحسن وما أبصرك بالجواب، قلت وهذا على سبيل النكتة والطرفه ، وإلاَّ فله مع الشيخ محمد الأيادي البيضاء ، وكثيراً ما يقول له اكتب قائمه بمطالبك من البندر بانكتبها ، فيكتب كم أحمال جمال فيها الرز والسمن والقاز والسليط والبن والسكر وغيرها ، فيكتب لعامله بالبندر بإرسال ذلك على اسم الشيخ محمد ، ويقول له إذا جاءت الأحمال لا تدفع الكراء واخبرنا نأمر الخادم يدفعه ، هذا كان يعمله كثيراً ، كما أخبرنا بذلك إبنه الشيخ فضل
وفاته وانتقاله : 
لمَّا قرب وقت أجله ، وانتهاء مُدَّة عمره ، أصيب بمرض بَثِرْ وحُمَّى شديده مكث به مُدَّه نحو 20 يوماً ، وفي يوم 18 محرم سنة 1346هـ آخر عشيَّة الإثنين إنتقلت روحه الطاهره إلى الرفيق الأعلى بجوار الرب الكريم ، فحزنت لمصرعه القلوب والأفئده ، لفقدها جالي كروبها ، ودافع أحزانها ، وعظيم من عظماء الأمَّه ، تدفع به كل مدلهمَّة وغُمَّه. وشُيِّع وصلَّى عليه جمعٍ غفير كبير ، ودُفِنَ بمقبرة زنبل بتريم بُكرة يوم الثلاثاء حول أضرحة آبائه وأجداده. وعُمِلت ضيافة كبرى لختم القراءة عليه ، وقيلت فيه المراثي والأشعار. فتغمدَّه الله بواسع رحمته وظلَّلت قبره سحايب الغفران والرضوان ، ولا حرمنا من بركاته ، وجعلنا من خير خَلَف لخير سلف –آمين-
 
وكان الفراغ منها في شهر ربيع الأول سنة 1376 هـ
 
علوي بن طاهر الحداد






مواضيع ذات صلة