07/12/2011

السيد عمر(المحضار) بن علوي بن عبدالله الكاف

 

وقد غلب اللقب الاسم، فهو العبقري النشط محضار بن علوي بن عبدالله بن عبدالرحمن الكاف. وإنما قلنا العبقري لأنَّ عبقريته قد تجسمت وانبثق فجرها قبل أن ينبثق صباح هذا الفتى الحديث السن.
ميلاده ونشأته : 
ولد بتريم ونشأ نشأة صالحة بين أبوين عريقين في النسب والحسب والمجد والشرف. فأبوه هو علوي بن عبدالله أخي مؤسس الثروة وشقيقه. أما والدة المترجم له الآن، فهي ابنة مؤسس الثروة رأساً وهي تعيش الآن. 
وقرأ عمر المحضار القرآن الكريم بعد درس الهجاء بإحدى المكاتب الأهلية العامة، ثم تخرج منها وانتظم في سلك تلاميذ مدرسة الحق الابتدائية، فدرس فيها تلك الدروس العادية من ديانة ولغة وتاريخ وغير ذلك. وبعد تخرجه منها ابتدأ يعتمد على عصاميته، وينظر في أصناف شؤون الحياة المحيطة به، ويقدح فكره في البحث عن حقائق تلك الأوساط التي حوله، وهو على حداثة سنه لا يتأفف عن التطلع إلى ما يعلمه الناس ويزمعون على تنفيذه من الشؤون والأعمال الحيوية.
اهتمامه بإدارة البلاد : 
ودفعه اتصاله برجال الحل والعقد في ذلك العهد إلى التحدث معهم في شؤون الإدارة العامة بمدينة تريم، وقد لاحظ من اختلال الإدارة ما يشكو منه كثير من الناس لاسيما أقوات الحاشية، وما يتبعها من مواعيد صدورها وحدود أسعارها وما يلي ذلك من محاكم شرعية ومحاكم مدنية.
إدارة المالية : 
وبعد اتصال المحضار بأهالي المدينة وهم السلطانان: عبدالله ومحمد ابنا المرحوم محسن بن غالب والخوض معهما في حالة الإدارة العامة، وارتفاع تشكي الجمهور من اختلالها.
 وبعد طول البحث وتغليب النظر في جميع وجوهه صرَّح العاهلان بأنَّ منشأ الضرر هو من تلاعب الموظفين في المالية التي أصبحت تسير على غير هدى.
وأخيراً تم الاتفاق على أن يتولى المحضار النظر في ضبط شئون هذه الإدارة فقام صاحبنا بهذه المهمة مستعيناً بجماعة من أذكياء هذه البلاد وشبانها المثقفين كالسادة محمد بن سالم السري، وإبراهيم بلفقيه، وأحمد بن علي الجنيد وغيرهم. فقاموا بمهمتهم أحسن قيام وخفتت أصوات المتذمرين وأخذت الأمور تسير في مجراها الطبيعي لولا أن رجالاً من أعيان البلاد وآخرين من أسرة محضار نفسه لم يطاوعهم تقديرهم وعطفهم على هؤلاء الشبان أن يتركوهم فيقعدون هذه الكراسي الحكومية التي تعتبر في نظر هؤلاء الأعيان مساعدة لجباية المكس، وأنها لا تليق بأمثال هؤلاء الشبان رغماً عن تطوعهم وتبرعهم بأتعابهم للجميع بدون مقابل. والتقاليد الاجتماعية لها أثرها في نفوس العامة والخاصة أيضاً. ولهذا أقبل العتب من كل جانب على محضار وزمرته ومكثوا جادين في هذه المصلحة نحو العام ثم أخذوا يفوضون شؤونها إلى الحكومة مع المساعدة لها بالرأي فقط .
وعلى كل حال فقد أنتجت أعمال هذه السنة التي تحت نظر محضار ومساعديه نتائج حسنة ساد بها النظام واستمر سائداً نوعاً ما بعد عودة الإدارة إلى الحكومة.
 إلا أن تمرد الحاشية من حين إلى آخر قد يكون إذا تأخرت أقواتها لبعض الضرورات الاقتصادية وبقيت الحالة هكذا حتى بزغ فجر الانقلاب الحديث.
جمعية الأخوة : 
وبعد أن شاء حظ جمعية الحق ذات القوة والسلطان في البلاد، وبعد أن ذبلت أغصانها وفترت همم رجالها، وذلك عقب أن بلغ صيتها مبلغاً اهتم به رجال السياسة من البريطانيين الذين يهتمون بجنوب الجزيرة، وقد أشرنا إلى ذلك في ما مضى من هذا الكتاب.
ورأى محضار أن البلاد في حاجة إلى رابطة تجمع ما تفرق من عزائم أهلها، وتقوي ما ضعف من إرادات رجالها، وتحرك منهم الهمم التي جمدت من جراء التباعد والتنافر. فدعى لفيفاً من الشبان الذين يتوسم فيهم الكياسة والنشاط والذين هم على شيء من الثقافة والأدب والوعي القومي فأفضى إليهم بما يختلج في باله من مشروع الرابطة. 
وبعد أن تكررت الاجتماعات وتداولت الآراء أجمعوا رأيهم على تأسيس جمعية إصلاحية أسموها بجمعية الأخوة والمعاونة.
ثم انطلقوا يعملون ما يلزم لإيجادها من اللوازم العادية لكل جمعية. وبعد أن أكملت الإجراءات حرر القانون وصودق عليه ونهض محضار  بما نهض به من صدق العزيمة، وجزيل المساعدات مادية وأدبية، ونهض معه أعضاء الجمعية باذلين أنفسهم ونفائسهم في سبيل التقدم الاجتماعي، فقاموا بإصلاح ما أمكن إصلاحه منها. ورأوا في إدارة القضاء الشرعي اضطراباً شائناً فوجهوا هممهم إلى القيام بتخليصه من هذا الاضطراب، وأخيراً فوضوا إدارة القضاء إلى أحد الفقهاء من أعضاء الجمعية فتحسنت الحالة وشكر الجمهور حسن الإدارة وما يصدر عنها من الأحكام.
مجلة الإخاء : 
وأصدرت الجمعية مجلة الإخاء الشهرية يقوم عليها محضار ويحررها شبان من أعضاء الجمعية فكان لها أثر كبير في الهيئتين الثقافية والاجتماعية، وأخذ جماعة من حملة الأقلام في القطر يتبارون على صفحات هذه المجلة بما يحلو لهم من المقالات الأدبية والنكات المفيدة والفكاهات المسلية، وكتب فيها رجال من أفاضل الكتَّاب الحضارمة وذوي التفكير العميق فيهم واستمرت المجلة جادة في طريقها حتى دهم القطر ذلك الشبح المخيف شبح المجاعة الكارثة حفظ الله القطر في مستقبله من أن يناله مثلها أو قريب منها لا قدر الله.
مدرسة الأخوة : 
وقام محضار ومن بمعيته من الأعضاء في إنشاء مدرسة تابعة للجمعية تجمع بين التعاليم الدينية وما يتبعها من أخلاق وآداب، وبين التعاليم العصرية من لغوية وغيرها مما يكفل للطالب أن يتحصل على ما يفيده دينياً ودنيوياً ويزنه في المجالس والمحافل. ومضت المدرسة سائرة فيما ندبت نفسها إليه يديرها وتعاليمها جماعة مثقفون من شبان البلاد. وتحملت المدرسة كوارث المجاعة وما وصل إلى القطر من ويلات الحرب الثانية التي صدت النقود والأقوات عن التسرب إلى داخل القطر فاشتدت الضائقة وعظمت المصائب وتعطلت الأشغال ودخلت البلاد في فناء وبلاء وموت وحال من الشدائد لا يعلمها إلا الله.
ولكن مدرسة الأخوة ظلت سائرة مستمرة في تنفيذ دروسها لم تهن ولم تضطرب وذلك بعزيمة رجالها الأبطال. وهي حتى الآن مندرجة في مدارج الارتقاء والتقدم .ومحضار لم يزل ناظراً إليها وإلى الجمعية نظر الأب العطوف إلى نجله.
محضار والإسعاف : 
وجاءت نجدات الإسعاف في الأقوات من الخارج إلى القطر وأخذت تخفف نوعاً من كوارث المجاعة في القطر وانتشرت مطابخ الإسعاف في كل مدينة وفي كل قرية .
وبقيت مدينة تريم متعززة عن أن تخضع للانقلاب السياسي الحديث وكذا ما اتصل به من المساعدات التي لم تبخل بها رجال الحكومة البريطانية الحامية، وتضايق الأهالي تضايقاً فوق الحد من ضغط هذه المجاعة فكان من الشائن أن تبقى مدينة تضم الألوف من السكان في عزلة عن التناول من مطابخ الإسعاف العمومي الذي يتناول منه كل سكان الوادي. ولم ير محضار بداً من أن يتصدى لتفريج الكرب عن الجائعين والجائعات الذين أخذ الجوع بخناقهم وفيهم عائلات كريمة وأسر عريقة في التعفف يحسبهم الجاهل أغنياء منه. وأخذ محضار يسعى في إدخال المؤن والأقوات إلى تريم ويتردد بين وكلاء الإسعاف وضباطه وبين عاهلي البلاد وهما السلطانان: عبدالله ومحمد ابني السلطان محسن بن غالب حتى استطاع أن يحل هذه المشكلة وفتحت المطابخ بتريم وهيئت اللوازم المحتاج إليها.
هذا من جهة ولكن من جهة أخرى كان للتقاليد العائلية بتريم قوة ومتانة قد يتحمل المقلدون كل ضرر في سبيل المحافظة عليها. ولهذا قاسى محضار كل مشقة في جعل الجائعين يتمتعون بتناول الضروري من الطعام من تلك المطابخ بهناء وشرف. فقد قسم التوزيع في ديار وأمكنة كل منها مبتعد عن الآخر والنساء معزولة عن الرجال يوزع عليهن نساء ترتاح بهن ضمائرهن فاستمرت الأقوات تجري في البلاد مستمرة على ما يرام إلى أن انجلت الأزمة وتركت وراءها بمحضار شرفاً باذخاً وفضلاً كبيراً بقدر ما تركت له من المشقات والتكاليف المادية التي طال عناؤه في محوها حتى ذهبت عنه تلك الآثار.
اقتناؤه الكتب : 
ولمحضار ولع عظيم بالكتب وجمعها وله عطف على محبي الكتب. ولهذا جمع من الكتب العصرية وغير العصرية ما لا يستهان به من تأليف قيمة في شتى العلوم والآداب وامتلك مجموعات ذات فائدة من الصحف والمجلات الهامة كمجلة (المقتطف) من أول عدد منها ومن أمثالها. فتكون من ذلك مكتبة ذات بال سهلة التناول للراغبين في المطالعة. واعتمد على ما جبل عليه محضار من النفور عن الفخفخة وتطلب الشهرة فقد ترك مكتبته هذه بدون اسم وقانون يفيد الانتفاع بها عن الوصول إلى أيدي المطالعين بسهولة
 






مواضيع ذات صلة