18/12/2011

الزعيم الوطني الكبير أبوبكر بن شيخ الكاف


 

الزعيم الوطني الكبير أبوبكر بن شيخ الكاف
صانع السلام وباني النهضة الاقتصادية والاجتماعية في حضرموت
كتبه: سند بايعشوت
جريدة الأيام 
 
 
 
ولد المحسن الكبير وصانع السلام، السيد أبوبكر بن شيخ الكاف، في سنغافورا عام 1890م، لأسرة وافرة النجاح من عائلات سادة تريم، جمعت أسرة آل الكاف ثروة ضخمة من التجارة، وامتلاك العقارات في سنغافورا وغيرها من جزر الأنديز الشرقية الهندية، وقضى السيد أبوبكر بن شيخ بن عبدالرحمن الكاف الجزء الأكبر من فترة حياته في  حضرموت.
هجرة آل الكاف لسنغافورا : 
وترجع هجرة السادة آل الكاف إلى سنغافورا إلى عام 1852م فلقد بني آل الكاف «حديقة الكاف» عام 1920م، وتحتوي على بحيرة عظيمة لقوارب التجديف، ومسرح وجمال كثيرة ترتع في الحديقة، هذه الحديقة صودرت من قبل القوات البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية، أما الآن (في الوقت الحاضر) فهي تأوي مجلس الشيوخ السنغافوري.
كما بنى آل الكاف (العمارة المقنطرة) ذات النمط الإسلامي، وقد جرى هدمها وحلت محلها عمارة مقنطرة جديدة، أما سكن آل الكاف، فقد جرى تحويله إلى مطعم أندونيسي يسمى Al Kaff Mansion في إيماء تذكاري يحفظ اسم هذه الأسرة التي هاجرت من حضرموت، والميزة الأساسية للهجرة الحضرمية إلى سنغافورا هي أنها هجرة غير مباشرة (من اندونيسيا) وليست مباشرة من حضرموت إلى سنغافورا، ومنها هجرة السادة آل الكاف.
وكان أول القادمين الحضارمة العرب إلى سنغافورا تاجران ثريان من «سومطرا» هما السيد محمد بن هارون الجنيد وابن أخيه السيد عمر بن علي الجنيد عام 1819م، ثم أتت اسرة آل السقاف، الى سنغافورا عام 1824هـ.
عودة على بدء : 
والده السيد شيخ بن عبدالرحمن الكاف وعمه عبدالله، عصاميان جمعا ثروة عظيمة بسنغافورا وأندونيسيا، ولهما أعمال خيرية واسعة وأوقاف وتصل خيراتهما إلى تريم.
ذاع صيت السيد أبوبكر بن شيخ الكاف بكرمه وسخائه لكل وافد، ولكل ذي حاجة، له صدقات سرية للعائلات من جيبه الخاص، كان منزله مقصداً ومكاناً للوافدين وملجأً للغرباء.
نزل في منزله الشيخ الطيب الساسي موفد سلطاني حضرموت للمؤتمر الإصلاحي الحضرمي بالشحر وسنغافورا عام (1927-1928م)، ونزل عليه في منزله بتريم المهندس محمد صلاح الدين بن الشيخ عبدالوهاب النجار المصري، الذي انتدبته حكومته (المانيا) مع نفر من الطيارين الألمان إلى اليمن، حيث زار تريم بعد انتهاء مهمته في اليمن بإشارة من السيد محمد بن عقيل بن يحيى، كما نزل عليه خبراء الزراعة من مصر وبعض أهل المدينة المنورة.
من أعماله الوطنية: أمر بإحصاء سكان مدينة تريم وعدد منازلها، وكانت نتيجة الإحصاء تقيد في سجل خاص فيه كل منزل وعدد أفراده من رجال المؤتمر الإصلاحي الحضرمي بين الدولتين القعيطية والكثيرية، واشترك في التوقيع على وثيقة الإصلاح الحضرمي في الشحر وسنغافورا.
مصلح اجتماعي كبير : 
في عام 1934م تم إرسال هارلد انجرامس في زيارة استطلاع وتحر لحضرموت، كما عاد إليها مرة أخرى عام 1936م ليعمل مع السيد أبوبكر بن شيخ الكاف وسلطاني حضرموت القعيطي والكثيري في إقناع القبائل التي تعيش في دائرة الاقتتال والحروب بالقبول بهدنة عامة لمدة 3 سنوات، وقد أدى التأثير القوي لشخصيته مع إنفاقه السخي الدور الأساسي لإنجاح المفاوضات التي قادت إلى تحقيق الصلح العام والهدوء في أنحاء القطر الحضرمي وإرساء دعائم أمنة وستقراره الاجتماعي.
كما كان السيد أبوبكر بن الشيخ الكاف، عاكفاً على تحسين وتيسير أداء المستشفى والمدرسة التي أسسها آل الكاف في تريم، لتقدما الرعاية الصحية المجانية والتعليم المجاني للسكان المحليين.
رفيق الامبراطورية C.B.E : 
في عام 1938م منح السيد أبوبكر بن شيخ الكاف، لقب رفيق الإ مبراطورية -companion of the British Empire C .B.E نظير خدماته العامة، وعن أهمية دوره في عملية صنع السلام بحضرموت، وقد وقع 99 شخصية من وجهاء الحضارمة في عريضة في تاريخ مبكر من عام 1938م تشهد بدوره الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بحضرموت، وقد أجل سفره للخارج عام 1938م، تخوفاً من احتمال أن يتسبب غيابه في الخارج بتعرض الصلح والسلام الذي ساهم فيهما شخصياً للخطر.
الرائد الأول : 
لما حلّت المجاعة في العام الثلاثين من القرن الماضي لم يقف السيد أبوبكر بن شيخ الكاف مكتوف الأيدي والجوع يفتك بالبلاد، بل هب ينصر وطنه، فأنشأ المطابخ للمصابين بالمجاعة، ولا تقف أيادي السيد أبوبكر بن شيخ الكاف عند هذا الحد، فقد اختصم المستشار المقيم في المكلا المستر انجرامس في زمانه مع قبائل الحموم ونوح ونهد والخامعة والحالكة، وبسبب هذه الفتنة نسفت الطائرات هذه القبائل، فلم يقف السيد أبوبكر بن الشيخ الكاف مكتوف الأيدي، بل توسط بين القبائل والحكومة، وقالت قبائل الحموم إنها لا تقبل التوسط إلا إذا جاء إليهم بنفسه السيد أبوبكر بن شيخ الكاف، فذهب السيد أبوبكر بنفسه إليهم وأصلح الأمر فحال دون نسف الطائرات.
طريق آل الكاف : 
رأى السيد أبوبكر بن شيخ الكاف وعورة المسالك من ساحل الى داخلية حضرموت، وبنى من جيبه الخاص طريقاً معبدة تمتد من تريم إلى ريدة المعارة بلغت تكاليفها 150 ألف ريال، في ثلاثينات القرن الماضي، وهو أول طريق يعبد بحضرموت لمرور السيارات يقوم به فرد واحد على نفقته الخاصة، فالطريق المعبد (طريق الكاف) كان في ذلك الوقت محفوفاً بالمخاطر لأنه يمر بالقرب من قبائل البادية التي لها نفوذ في مواقعها، فاتصل بهم وأرضاهم وتعاقد معهم وقدم لهم المعونات وحفر لهم الآبار، وكتب عليهم الوثائق لكي يحافظوا على سلامة السالكين لهذا الطريق.
كان يشرف شخصياً على أعمال التعبيد، وقد وضعت للطريق خرائط حسب طلبه من 3 نسخ، وكان القائم المباشر لأعمال التعبيد رجل يلقب (بالانقريز) وعملت خرائط أخرى بطلبه للطرق الأخرى والأودية من تريم إلى المكلا.
فارس الإمبراطورية K.B.E : 
كان السيد يتمتع بروح استقلالية ولا يتردد عن الصدع برأيه، فعندما رقي إلى فارس الإمبراطورية K.B.E أعلن تخليه عن هذه المرتبة معلقاً على ما كان يقتضيه البروتوكول في ذلك الوقت بإشارة إلى أن البريطانيين يمنحون باليد ما يسلبونه باليد الأخرى، كما ظهر كلا الوسامين Knightmare of British Empire -K.B.E & C.B.E على الترويسة الخاصة لمطبوعات مؤسسته التجارية.
27 ابريل 1954م : 
عندما زارت صاحبة الجلالة الملكة اليزابيث الثانية وصاحب السمو الملكي دوق أدنبره عدن في 27 ابريل 1954م كان السيد أبوبكر بن شيخ الكاف في استقبال جلالة الملكة ، وكان بصحبة السلطان الكثيري حسين بن علي كل من السيد أبوبكر بن شيخ الكاف، السلطان عبدالله بن محسن الكثيري، والسلطان حسين بن صالح الكثيري، والسيد صالح بن علي الحامد، والمقدم عبدالله بن مرعي بن طالب والشيخ الأمين عبدالماجد والسيد عمر المحضار بن علوي الكاف.
وقد وصل بصحبة عظمة السلطان صالح بن غالب القعيطي سلطان المكلا والشحر كل من الوجهاء الشيخ قدّال باشا والشيخ جهان خان والشيخ أبوبكر بارحيم والمشائخ أحمد باصرة ومسلم بلعلا وأحمد بن ناصر البطاطي وعمر باسويد والسيد أحمد العطاس، وجرى الاحتفال رسمياً بمنحه وسام الامبراطورية K.B..E من قبل جلالة الملكة اليزابيث الثانية خلال زيارتها الأولى والوحيدة لعدن عام 1954م، وفي الحفل تم استثناؤه من شرط من شروط البرتوكول يقضي بالركوع أمام جلالتها، فقد وضح للجميع مسبقاً بأنه كمسلم لا يستطيع الركوع إلا لله وحده.
فلم انجرامس عن حضرموت : 
في عام 1953م قام المستر هارولد إنجرامس بزيارة خاصة لحضرموت بعد انتهاء مهمته كمستشار للدولتين القعيطية والكثيرية الحضرمية، وكانت زيارة إنجرامس خاصة تتعلق بموضوع (الفيلم) الذي تزمع شركة بريطانية تصويره وتدور قصته حول كتاب المستر إنجرامس (بلاد العرب والجزر) ويتناول الفيلم قضية الأمن وحضرموت والمشاريع الإصلاحية التي حدثت في البلاد على يد صاحب السيادة السيد أبوبكر بن شيخ الكاف، وهو من الشخصيات البارزة في قصة الفيلم، وقد ساعد انجرامس في نشر الأمن في ربوع حضرموت وأنفق من جيبه الخاص لتوطيد السلام الاجتماعي بين القبائل.
ولقد كتب عنه انجرامس مطولا في كتابه «شبه الجزيرة العربية والجزر» وتناول حياته منذ اوائل ثلاثينات القرن العشرين وحتى وفاته عام 1965م.
يوم وفاته :
يصف جون دوكر، أحد الضباط السياسيين الأجواء التي سادت حضرموت يوم وفاة السيد أبوبكر بن شيخ الكاف قائلاً: «كنت في سيئون يوم وفاته، حيث اجتمع مئات المشيعين من كافة أنحاء حضرموت لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، وتقديم احتراماتهم، وقد انضممت شخصيا لتلك الجمهرة الحاشدة خلف جنازته وفي مراسيم دفنه، وناحت النساء على الشرفات بالعويل والنحيب، لقد كان صباحاً حاراً في ذلك اليوم في سيئون وقد عاد الغبار وارتفع في الهواء الساكن ، وأخيراً تجمعنا في القصر الطيني لزوج ابنته مشهور بن حسين الكاف للتعبير عن حزننا وتقديم عزاءنا لأفراد العائلة».
إزاحة التراب :
إن شخصية كالسيد أبوبكر بن شيخ الكاف التي تزيح التراب عن تاريخ الزعيم الوطني الخالد الذي شغل حضرموت بتاريخه العظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لجديرة بالدراسة والتحليل، وأن الذي تحدثنا عنه هو غيض من فيض تراث وتاريخ كبير لهذا الرجل الذي تفتقر المكتبة اليمنية لكتاب يتحدث عنه وعن أدواره وحياته وأعماله الخالدة في حضرموت والمهجر السنغافوري، وأندونيسيا، وقد حان الوقت أن تفتح الخزائن ليكتب عن ما أهمله التاريخ من سيرة رجل يتماهى مع تاريخ حضرموت الحديث في النصف الأول من القرن الماضي.






مواضيع ذات صلة